‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعلم الاسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعلم الاسلام. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 يونيو 2015

هل تعلم لماذا الزانية قبل الزاني ؟ و السارق قبل السارقة ؟

 الزاني السارق 


أهلا و سهلا بكم .. هل تعلـــم لماذا الزاني قبل الزانية ؟ و لماذا السارق قبل السارقة ؟ بالفعل إنها  تستحق القراءة  اليكم التفاصيل :: أمر الله سبحانه وتعالى بتوقيع حد الزنا بدأ الآية بالأنثى فقال تعالى :::  ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مئة جلدة ) [النور: 2]. وعندما أمر الله سبحانه وتعالى بتوقيع حد السرقة بدأ بالذكر فقال تعالى :::  ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالاً من الله ) [المائدة: 38]. لقد بدأ الله حد الزنى بالأنثى (المرأة)، وذلك لأنها التي تعطي الضوء الأخضر للذكر (الرجل) ولو امتنعت منه ما استمر في تحرشه بها حتى تقع في مصائده، فالمرأة هي التي تفتنه بملابسها غير الشرعية الفاضحة، ونظراتها غير السوية المغرضة، وحركاتها غير الأخلاقية المثيرة. فالأنثى هي البادئة بالفتنة والإثارة، ولهذا حملها الله المسؤولية الأولى في الزنى، ولكنه ساوى بينها وبين الذكر في العقوبة. ولذلك ::: أمر الله سبحانه وتعالى المرأة المسلمة بالعديد من أوامر سد الذرائع أو الأوامر الاحترازية الحامية لها من مثل هذا السلوك المشين والمهين أن لا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض فيها. قال تعالى :::  (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) [الأحزاب: 32]. أمرهن الله سبحانه وتعالى بالتستر ولبس اللباس الساتر، والدال على حشمتهن وهويتهن وأنهن مؤمنات عفيفات لا يقبلن المخادعة والمصادقة للرجال، أو إثارة الفتنة فقال تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً )[الأحزاب: 59]. فهذا اللباس الساتر يحميهن من مرضى القلوب والتهم الباطلة. أمر الله المرأة المسلمة أن لا تبدي صوت زينتها الخفية كالأساور والخلخال وغيرها تجنباً للعديد من المشكلات المترتبة على ذلك. فقال تعالى: ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) [النور: 31]. كما أمر الله سبحانه وتعالى المرأة المسلمة بعدم إبداء زينتها للأجانب من الرجال فقال تعالى: ( ولا يبيدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) [الآية: 31] من النور. أمر الله المرأة المسلمة بغض البصر وحفظ الفرج. فقال تعالى: ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) [النور: 31]. لهذا بدأ الله سبحانه وتعالى في حد الزنا بالأنثى. أما في السرقة فـبدأ الله بالذكر في الحد مع مساواته لهم بالنساء في العقوبة. والإحصائيات العالمية تظهر ضلوع الرجال في جريمة السرقة لذلك !! هذا هو الإسلام يا مسلمين فطبقوه و لا تقنطوا من رحمه الله عليكم و قولوا الحمد لله علي نعمه الإسلام في النهاية الله و رسوله أعلي و أعلم  لو سمحت شارك الموضوع و أترك لنا تعليق .

الأحد، 14 يونيو 2015

أدلــة تحريم الغنـــــاء والموسيـــقى من الكتاب والسنة

 http://dorr.ps/dimgs/M3N4NET-107524-1.jpg

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}


أدلة التحريم من القرآن الكريم

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [سورة لقمان:6].

قال حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: هو الغناء، وقال مجاهد رحمه الله: اللهو: الطبل (تفسير الطبري) وقال الحسن البصري رحمه الله: "نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير" (تفسير ابن كثير).

قال ابن القيم رحمه الله: "ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}، فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء -يرددها ثلاث مرات-، وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا أنه الغناء.." (إغاثة اللهفان لابن القيم).

وكذلك قال جابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول وميمون بن مهران وعمرو بن شعيب وعلي بن بديمة و غيرهم في تفسير هذه الآية الكريمة. قال الواحدي رحمه الله: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء (إغاثة اللهفان).

ولقد قال الحاكم في مستدركه عن تفسير الصحابي: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي و التنزيل عند الشيخين حديث مسند". وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان معلقا على كلام الحاكم: "وهذا وإن كان فيه نظر فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه، فعليهم نزل وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول علما وعملا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل".
وقال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [سورة الإسراء:64].



جاء في تفسير الجلالين: (واستفزز): استخف، (صوتك): بدعائك بالغناء والمزامير وكل داع إلى المعصية وهذا أيضا ما ذكره ابن كثير والطبري عن مجاهد. وقال القرطبي في تفسيره: "في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو.. وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه".

و قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } [الفرقان: 72].

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره ما جاء عن محمد بن الحنفية أنه قال: الزور هنا الغناء، وجاء عند القرطبي والطبري عن مجاهد في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قال: لا يسمعون الغناء. وجاء عن الطبري في تفسيره: "قال أبو جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغناء لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه" (تفسير الطبري).

وفي قوله عز وجل: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } قال الإمام الطبري في تفسيره: (وإذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه، مروا كراما. مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه، وذلك كالغناء).
 


أدلة التحريم من السنة النبوية الشريفة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف، و لينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة » (رواه البخاري تعليقا برقم 5590، ووصله الطبراني والبيهقي، وراجع السلسلة الصحيحة للألباني 91).

وقد أقرّ بصحة هذا الحديث أكابر أهل العلم منهم الإمام ابن حبان، والإسماعيلي، وابن صلاح، وابن حجر العسقلاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والطحاوي، وابن القيم، والصنعاني، وغيرهم كثير.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به". وقال العلامة ابن صلاح رحمه الله: "ولا التفات إليه (أي ابن حزم) في رده ذلك.. وأخطأ في ذلك من وجوه.. والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح" (غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب لإمام السفاريني).

وفي الحديث دليل على تحريم آلات العزف والطرب من وجهين:

أولاهماقوله صلى الله عليه وسلم: "يستحلون"، فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم.

ثانيا: قرن المعازف مع ما تم حرمته وهو الزنا والخمر والحرير، ولو لم تكن محرمة - أي المعازف - لما قرنها معها" (السلسلة الصحيحة للألباني 1/140-141 بتصرف). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فدل هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها" (المجموع).

وروى الترمذي في سننه عن جابر رضي الله عنه قال: « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخيل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره ففاضت عيناه، فقال عبد الرحمن: أتبكي وأنت تنهى عن البكاء؟ قال: إني لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة » (قال الترمذي: هذا الحديث حسن، وحسنه الألباني صحيح الجامع 5194).
 


وقال صلى الله عليه و سلم: « صوتان ملعونان، صوت مزمار عند نعمة، و صوت ويل عند مصيبة » (إسناده حسن، السلسلة الصحيحة 427)

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ليكونن في هذه الأمة خسف، وقذف، ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف» (صحيح بمجموع طرقه، السلسلة الصحيحة 2203)
 


قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والقنين، وزادني صلاة الوتر » (صحيح، صحيح الجامع 1708). الكوبة هي الطبل، أما القنين هو الطنبور بالحبشية (غذاء الألباب).

وروى أبو داوود في سننه عن نافع أنه قال: « سمع ابن عمر مزمارا، قال: فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع هل تسمع شيئا؟ قال: فقلت: لا ! قال: فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع مثل هذا! فصنع مثل هذا » (حديث صحيح، صحيح أبي داوود 4116).

و علق على هذا الحديث الإمام القرطبي قائلا: "قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم؟!" (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي).

 

أقوال أئمة أهل العلم:
قال الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الغناء مبدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن (غذاء الألباب)، ولقد نقل الإجماع على حرمة الاستماع إلى الموسيقى والمعازف جمع من العلماء منهم: الإمام القرطبي وابن الصلاح وابن رجب الحنبلي. فقال الإمام أبو العباس القرطبي: الغناء ممنوع بالكتاب والسنة وقال أيضا: "أما المزامير والأوتار والكوبة (الطبل) فلا يختلف في تحريم استماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج الشهوات والفساد والمجون؟ وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ولا تفسيق فاعله وتأثيمه" (الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي). وقال ابن الصلاح: الإجماع على تحريمه ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح الغناء..

قال القاسم بن محمد رحمه الله: الغناء باطل، والباطل في النار.

وقال الحسن البصري رحمه الله: إن كان في الوليمة لهو -أي غناء و لعب-، فلا دعوة لهم (الجامع للقيرواني).

قال النحاس رحمه الله: هو ممنوع بالكتاب والسنة، وقال الطبري: وقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء، والمنع منه. و يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: لا تدخل وليمة فيها طبل ومعازف.

قال ابن القيم رحمه الله في بيان مذهب الإمام أبي حنيفة: "وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية توجب الفسق وترد بها الشهادة، وأبلغ من ذلك قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر، وورد في ذلك حديث لا يصح رفعه، قالوا ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره" (إغاثة اللهفان).
 


وروي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: الغناء من أكبر الذنوب التي يجب تركها فورا. وقد قال الإمام السفاريني في كتابه غذاء الألباب معلقا على مذهب الإمام أبي حنيفة: "وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافا بين أهل البصرة في المنع منه".

وقد قال القاضي أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة حينما سئل عن رجل سمع صوت المزامير من داخل أحد البيوت فقال: "ادخل عليهم بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض".

أما الإمام مالك فإنه نهى عن الغناء و عن استماعه، وقال رحمه الله عندما سئل عن الغناء و الضرب على المعازف: "هل من عاقل يقول بأن الغناء حق؟ إنما يفعله عندنا الفساق" (تفسير القرطبي). والفاسق في حكم الإسلام لا تقبل له شهادة ولا يصلي عليه الأخيار إن مات، بل يصلي عليه غوغاء الناس وعامتهم.
 


قال ابن القيم رحمه الله في بيان مذهب الإمام الشافعي رحمه الله: "وصرح أصحابه -أي أصحاب الإمام الشافعي- العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ" (إغاثة اللهفان). وسئل الشافعي رضي الله عنه عن هذا؟ فقال: أول من أحدثه الزنادقة في العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة وعن الذكر (الزواجر عن اقتراف الكبائر).

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء فقال: الغناء ينبت النفاق بالقلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق" (إغاثة اللهفان). وسئل رضي الله عنه عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية، فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفا، ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا، فقال: لاتباع إلا أنها ساذجة. قال ابن الجوزي: "وهذا دليل على أن الغناء محظور، إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم" (الجامع لأحكام القرآن).

ونص الإمام أحمد رحمه الله على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها (إغاثة اللهفان).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "مذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام... ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا" (المجموع). وقال أيضا: "فاعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه" وقال في موضع آخر: "المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس" (المجموع).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان حال من اعتاد سماع الغناء: "ولهذا يوجد من اعتاده واغتذى به لا يحن على سماع القرآن، ولا يفرح به، ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع الأبيات، بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية، وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب" (المجموع).

قال الألباني رحمه الله: "اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها" (السلسلة الصحيحة 1/145).

 

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إنك لا تجد أحدا عني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علما وعملا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء". وقال عن الغناء: "فإنه رقية الزنا، وشرك الشيطان، وخمرة العقول، ويصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه". وقال رحمه الله:
 

حب القرآن وحب ألحان الغنا
في قلب عبد ليس يجتمعان
والله ما سلم الذي هو دأبه
أبدا من الإشراك بالرحمن
وإذا تعلق بالسماع أصاره
عبدا لكـل فـلانة وفلان


و بذلك يتبين لنا أقوال أئمة العلماء وإقرارهم على حرمية الغناء والموسيقى والمنع منهما.

الاستثناء:

ويستثنى من ذلك الدف -بغير خلخال- في الأعياد والنكاح للنساء، وقد دلت عليه الأدلة الصحيحة، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ولكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد على عهده يضرب بدف ولا يصفق بكف، بل ثبت عنه في الصحيح أنه قال: التصفيق للنساء والتسبيح للرجال، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء" (المجموع). وأيضا من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار في يوم بعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أبمزمور الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد الفطر فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" (صحيح، صحيح ابن ماجه 1540).

الرد على من استدل بحديث الجاريتين في تحليل المعازف:

قال ابن القيم رحمه الله: "وأعجب من هذا استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية بغناء بنتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم، فأين هذا من هذا، والعجيب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم، فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك مزمورا من مزامير الشيطان، وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية، ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولاستماعهما، أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى؟! فسبحان الله كيف ضلت العقول والأفهام" (مدارج السالكين).

وقال ابن الجوزي رحمه الله: "وقد كانت عائشة رضي الله عنها صغيرة في ذلك الوقت، و لم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء، قد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها" (تلبيس إبليس).
::رقم 1::
--------------
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا}….. أكثر المفسرون على أن المراد بلهو الحديث هو الغناء، وقال ابن مسعود: هو الغناء، و يقول تعالى وهو يخاطب الشيطان: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ} قيل هو الغناء، و قال عليه الصلاة و السلام: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير، و الخمر و المعازف…… » رواه البخاري.
::رقم 2::
------------------
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أضرار الغناء و الموسيقى: المعازف هي خمر النفوس تفعل أعظم مما تفعله الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك و مالوا إلي الفواحش و إلى الظلم، فيشركون و يقتلون النفس التي حرم الله و يزنون و هذه الثلاثة موجودة كثيرا في أهل سماع الأغاني، إن سماع الأغاني و الموسيقى لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضلال و المفسدة ما هو أعظم منه، فهو للروح كالخمر للجسد، و لهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر، فيجدون لذة كما يجد شارب الخمر، بل أكثر و أكبر.
::رقم 3::
----------------
أما الغناء في الوقت الحاضر فأغلبه يتحدث عن الحب و الهوى و القبلة و اللقاء ووصف الخدود و القدود و غيرها من الأمور الجنسية التي تثير الشهوة عند الشباب و تشجعهم على الفاحشة و تقضي على الأخلاق، ناهيك عن الذي يسمى بالفيديو كليب و ما به من فواحش و منكرات و رقص مائع و وجوه ملطخة تثير الشايب قبل الشاب، و المشاهد لهذه الأغاني المصورة يرى مدا اهتمام المخرج بالراقصات أكثر من المطرب نفسه، و هذا ليس مستغربا لأن إثارة المشاهد عندهم أهم من كلمات الأغنية و شكل المطرب.

و هؤلاء المطربين و المطربات الذين سرقوا أموال الشعوب باسم الفن و ذهبوا بأموالهم إلى أوربا و اشتروا الأبنية و السيارات الفاخرة قد أفسدوا أخلاق الشعوب بأغانيهم المائعة و افتتن الكثير من الشباب و أحبوهم من دون الله.

و أقول لكل من يسمع هذه الأغاني: أتركها مرضاة لله سبحانه و تعالى و صدقني ستجد لذة في تركها و اعتزازا بالنفس لم تشعر به من قبل، و استبدلها بأشرطة القرآن و الخطب و الأناشيد الإسلامية و حينئذ ستعرف الراحة النفسية و العاطفية الحقيقية.
::رقم 4::واختتم به::
----------------------------------
يقول ابن القيم رحمه الله: ما اعتاد أحد الغناء إلا و نافق قلبه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النفاق لأبصره في قلبه، فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن، إلا و طردت إحداهما الأخرى….. فاختر أنت أيهما تريد.
 


المصدر: موقع نور الحق

الاثنين، 13 أبريل 2015

تحميل القران الكريم كاملا بصوت ماهر المعيقلي mp3 مضغوط

                                     تحميل القران الكريم كاملا بصوت ماهر المعيقلي mp3 مضغوط


تم بحمد الله تنزيل سور المصحف الكريم للقارئ ماهر المعيقلي من موقع المكتبة الصوتية للقرآن الكريم


 ثم تجميعهم في ملف واحد و رفعهم برابط واحد مباشر سريع يدعم استكمال التحميل

 و أهم شيء أنه بدون إعلانات إطلاقا و لله الحمد

حجم المصحف كاملا 621 mb و هو بصيغة mp3 (الملف مضغوط بصيغة zip)


  


الجمعة، 3 أبريل 2015

علامات خروج المسيح الدجال للشيخ نبيل العوضي

علامات خروج المسيح الدجال للشيخ نبيل العوضي

 

الثلاثاء، 17 مارس 2015

حكم الاستماع للاغاني

حكم الاستماع للاغاني للشيخ محمد العريفي




                                                        


                                                     الله يهدي جميع شباب المسلمين ...   امين

ما يلزم من يشعر بخروج الريح في السجود وأثناء التشهد

 
السؤال
مشكلتي هي: أنني أثناء السجود أحس بخروج هواء من الدبر طوال ما أنا ساجد، ولا ينقطع إلا عندما أقوم من السجود، ويأتيني أيضا أثناء التشهد، فهل هذا ينقض الوضوء؟
الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
 فإن كان ما تحس به مجرد شكوك ووساوس -وهو الأقرب- فلا تلتفت إليه، ولا تسترسل مع الوساوس؛ فإن علاجها هو الإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها. وانظر الفتوى رقم: 51601.
ومهما شككت في خروج الريح، فاعمل بالأصل وهو عدم خروجها، فلا تقطع صلاتك إلا إذا حصل لك اليقين الجازم بانتقاض الوضوء؛ فقد شُكي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل يُخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. متفق عليه.
قال النووي في شرح الحديث: معناه: يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. اهـ.
أما إذا علمت وتحققت من خروج الريح أثناء الصلاة, فقد بطلت, ووجب إعادتها بعد أن تتوضأ, وهذا بشرط أن لا يصل الأمر إلى حد السلس، فإن وصل لذلك فقد ذكرنا كيفية صلاة صاحب السلس, وبينا ضابطه، وذلك في الفتوى رقم: 206542, وإحالاتها.
هذا وننصحك بمراجعة قسم الاستشارات بموقعنا، وطرح ما تجده عليهم فقد يكون في الأمر جانب غير فقهي بحت.
والله أعلم.

المواضع التي يشرع فيها رفع اليدين في الصلاة

السؤال

بارك الله فيكم. قرأت في مواقع أخرى للفتوى، أنه ثبت رفع اليدين في الصلاة في أربعة مواضع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، والرفع منه، وبعد القيام من الركعة الثانية. ورجعت إلى صفة الصلاة للألباني -رحمه الله- فقرأت أنه كان يرفع عند هويه للسجود، وكذلك إذا رفع من السجود، وكذلك إذا سجد السجدة الثانية، وإذا قام منها، وهذا يكون أحيانا كما ورد. فأيهما أصح؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:                       
فالمواضع التي يشرع فيها رفع اليدين أثناء الصلاة، قد جاءت مفصلة، ومحققة في فتوى للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- وسنورد إن شاء الله نص كلامه؛ لما فيه من الفائدة, والوضوح.
سئل فضيلة الشيخ: هل ثبت رفع اليدين في الصلاة في غير المواضع الأربعة؟ وما الجواب عما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع يديه في كل خفض ورفع؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال السائل رفع اليدين في غير المواضع الأربعة، وهذا يحتاج إلى بيان، فالمواضع الأربعة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول. فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا قال سمع الله لمن حمده، وإذا قام من التشهد الأول، قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود". فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما ما عداها، فلم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يرفع يديه لا إذا سجد، ولا إذا قام من السجود، وعلى هذا فلا يسن للإنسان أن يرفع يديه إذا سجد، ولا إذا قام من السجود. وأما ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أنه يرفع يديه في كل خفض ورفع" فقد حقق ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد أن ذلك وهم من الراوي، أراد أن يقول: "كان يكبر في كل خفض ورفع" فقال: "كان يرفع يديه في كل خفض ورفع". ...

وإذا كان ابن عمر -رضي الله عنهما- وهو الحريص على تتبع فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد تتبعه فعلاً فرآه يرفع يديه في التكبير، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول. وقال: "لا يفعل ذلك في السجود". فهذا أصح من حديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يرفع يديه كلما خفض وكلما رفع" ولا يقال: إن هذا من باب المثبت، والنافي، وأن من أثبت الرفع، فهو مقدم على النافي في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- لأن حديث ابن عمر صريح في أن نفيه ليس لعدم علمه بالرفع، بل لعلمه بعدم الرفع، فقد تأكد ابن عمر من عدم الرفع، وجزم بأنه لم يفعله في السجود، مع أنه جزم بأنه فعله في الركوع، والرفع منه، وعند تكبيرة الإحرام، والقيام من التشهد الأول. فليست هذه المسألة من باب المثبت، والنافي التي يقدم فيها المثبت، لاحتمال أن النافي كان جاهلاً بالأمر؛ لأن النافي هنا كان نفيه عن علم، وتتبع، وتقسيم، فكان نفيه نفي علم لا احتمال للجهل فيه، فتأمل هذا فإنه مهم مفيد، والله أعلم. انتهى.
والله أعلم.

حكم الإطراق بالرأس أثناء القيام في الصلاة

السؤال
انتشر مقطع لأحد الدعاة فيه أنه من الخطأ في الصلاة أن ترخي رأسك وتنحني وأنت قائم بحيث يلتصق الذقن بالصدر تقريبا، وذكر حديثا لم أعثر عليه في النت وهو "لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة" والذي وجدته "لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود" فليتكم توضحون لي المسألة، وحكم من صلى وهو مرخي رأسه وهو قائم يقرأ في صلاته.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فلا حرج على المصلي في أن يطرق برأسه أثناء القيام في الصلاة بحيث لا يخرج عن حد القيام، وليس من شرط القيام نصب الرقبة، والمهم أن ينتصب ظهره قائما، وأما خفض الرأس فلا يضر، قال النووي في المجموع : وَلَوْ أَطْرَقَ رَأْسَهُ بِغَيْرِ انْحِنَاءٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مُنْتَصِبٌ... اهــ .
وقال صاحب مطالب أولي النهي: فَلَا يَضُرُّ فِي الْقِيَامِ خَفْضُ رَأْسٍ عَلَى هَيْئَةِ الْإِطْرَاقِ وَانْحِنَاءٌ قَلِيلًا لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى قَائِمًا... اهـــ .
بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن الإطراق بالرأس في القيام سنة من سنن الصلاة، قال البجيرمي الشافعي في حاشيته على الخطيب: ...وَإِنْ أَطْرَقَ رَأْسَهُ أَيْ أَمَالَهَا إلَى صَدْرِهِ، بَلْ يُسَنُّ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ لِيَنْظُرَ إلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ... اهــ .
وقال زكريا الأنصاري الشافعي في أسنى المطالب: وَشَرْطُهُ أَيْ الْقِيَامِ نَصْبُ فَقَارِ الظَّهْرِ وَهُوَ عِظَامُهُ لَا نَصْبُ الرَّقَبَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إطْرَاقُ الرَّأْسِ... اهــ
وأما حديث: "لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة" فلا نعلمه بهذا اللفظ، والحديث جاء بلفظ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ" رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان وغيرهم.
والله تعالى أعلم.

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

تحميل القران الكريم كاملاً بصوت محمد البراك برابط مباشر mp3





( لا تحرمونا من استغفاركم )
تحميل القران الكريم كاملاً بصوت محمد البراك برابط مباشر وجودة عالية

إخوتي في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحميل القران الكريم كاملاً بصوت محمد البراك برابط مباشر وجودة عالية mp3



 http://www.mediabistro.com/alltwitter/files/2012/12/download.jpg
انشر تؤجر

الأربعاء، 22 أكتوبر 2014

يقولون بأفواههم...يقولون بألسنتهم

في سياق إخبار القرآن الكريم عن المنافقين، وأنهم يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، نقرأ قوله تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} (آل عمران:167)، وفي سياق حديث القرآن عن الأعراب نقرأ قوله عز وجل: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} (الفتح:11)، فلسائل أن يسأل: إن مقصود الآيتين قد اتحد؛ لأن حاصله التعريف بأن كلا من المذكورين في الآيتين أظهر خلاف ما أبطن، فلِمَ قيل في آية آل عمران: {بأفواههم}، وقيل في آية سورة الفتح: {بألسنتهم} مع اتحاد المعنى؟

أجاب ابن الزبير الغرناطي عن هذا الاختلاف بقوله: إن قوله في آية آل عمران: {بأفواههم} ينبئ عن مبالغة واستحكام، وتمكن في اعتقاد أو قصد، لا يحصل من قوله: {بألسنتهم}، ألا ترى قولهم: (تكلم بمِلء فيه) حين يريدون المبالغة، وقال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم} (يس:65) المراد المبالغة في منعهم من الكلام، وإذا خُتم على (الأفواه) امتنعت (الألسنة) عن النطق، وكان أحكم في المنع.

ولما كان المراد بالآية الأولى الإخبار عن المنافقين، من أمثال عبد الله بن أبيٍّ وأصحابه ممن استحكم نفاقه وتقرر، فقال يوم أحد ما حكى الله تعالى من قولهم في المخالفين لهم من الأنصار ممن أكرمه الله بالشهادة في ذلك اليوم: {لو أطاعونا ما قتلوا} إلى ما قالوه من هذا، ثم ورَّوا عنه بقولهم لصالحي المؤمنين: {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} (آل عمران:167)، فأخبر تعالى عنهم بما أخفوه من الكفر، فقال تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} (آل عمران:167)، فناسب الإبلاغ في قوله تعالى: {بأفواههم} ما انطووا عليه، واستحكم في قلوبهم من الكفر.

أما آية سورة الفتح فقد سيقت مساق الإخبار عن أعراب ممن قال تعالى فيهم: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} (الحجرات:14)، وهؤلاء لم يستقر نفاقهم كالمذكورين في سورة آل عمران، وإنما أخل بهم قرب عهدهم بالكفر، وإن لم يتقرر الإيمان في قلوبهم، لكن لا عن نفاق كنفاق الآخرين، قال تعالى مخبراً عن هؤلاء الأعراب: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا} (الفتح:11) فعن هؤلاء قال تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم}، فعبر بـ (الألسنة) إشعاراً بأن حال هؤلاء ليس كحال أولئك المنافقين المقصودين في آية آل عمران؛ فلاختلاف الطائفتين اختلفت العبارة عما صدر منهم، وورد كلٌّ على ما يناسب، ولم يكن عكس الوارد ليناسب.

هذا ما ذكره ابن الزبير في جوابه عن الاختلاف بين التعبير بـ (الأفواه) في آية سورة آل عمران، والتعبير بـ (الألسنة) في آية سورة الفتح. ولم نقف فيما رجعنا إليه من كتب التفسير على من تحدث عن هذا الاختلاف.

{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} (1): أعظم خصائص القرآن

اتسم القرآن بجمعه بين أمرين عظيمين، لم يجتمعا للكتب السماوية قبله: الإعجاز والمنهجية، والسمتان تعكسان شيئاً من العظمة القرآنية:

السمة الأولى: القرآن معجزة متجددة:

القرآن الكريم هو المعجِز الخالد المتجدد الذي لا تنقضي عجائبه، وأدلة ذلك كثيرة، ومن الأدلة الإجمالية على ذلك:

الدليل الأول: قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت:41 -42).
و{عزيز} هنا تحتمل المعاني الأربعة الآتية:

المعنى الأول: غالب لمن رام تغييره أو تحريفه على ما قرره النسفي: عزيز أي: منيع الجناب محمي بحماية الله {لا يَأْتِيهِ الْبَـاطِلُ} التبديل أو التناقض {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} أي: بوجه من الوجوه.

المعنى الثاني: غالب معارضيه فلا يمكن معارضته أو الإتيان بمثله على ما قرره ابن كثير: لا يرام أن يأتي أحد بمثله.

المعنى الثالث: غالب بِالحجة لمن كذب به.

المعنى الرابع: غالب بالفضل لما سواه من الكتب من حيث إِنَّ الغلبةَ تستلزم التفضل والتفَوق، وغالبٌ لبلغاء العرب إذ أعجزهم عن معارضة سورةٍ منه، ويكون حكيماً مثل صفَة منزله، وقرر هذين المعنيين الأخيرين الطاهر بن عاشور.
ويمكن إضافة معنى خامساً وهو أنه غالب جميع الدساتير والمناهج التي يراد منها إسعاد البشر، فلا توجد السعادة إلا فيه، ولذا جعل الله القرآن العظيم مفتاح آلائه، ومصباح قلوب أوليائه، وربيعهم الذي يهيم به كل منهم في رياض برحائه، ودليل الصدق، وبرهان الحق أمام الحائر المتردد أو المبطل المرتكس في جفائه.
الدليل الثاني: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} (النساء:174):

هذه الآية عجيبة عظيمة تجمع أفانين من المعاني الفخيمة:

- فالقرآن برهان وحجة على أعدائه وخصومه من المنكرين، ونور لأتباعه من السائلين المتحيرين.

- والقرآن برهان للعقول والمفاهيم والأفكار، ونور للقلوب والعواطف والأبصار.

ولذا قال ابن كثير: "يقول تعالَى مخاطباً جمِيع الناس ومخبراً بأنه قَد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القَاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} أَي: ضياء واضحًا على الحق، قَال ابن جريج وغيره: وهو القرآن"، فالبرهان هو الحجة الواضحة الفاصلَة، وميزة برهان القرآن أنه لم يقترن بزمان ولا مكان، بل إنه برهان على اختلاف الأعصار، وتنوع الأمصار، ولذا قال فيه البوصيري:

لم تــقـــترن بزمــانٍ وهــي تخبــرنا             عن المعاد وعن عادٍ وعن إرم
دامـــت لديــنا ففــــاقت كل مــعجزةٍ               من النبيين إذ جاءت ولم تـــدم
محكمــــاتٌ فَمــا تبقِين من شبهٍ لذي             شقَـــاقٍ ولا يبــغين مــن حــكم
ما حوربت قَط إِلا عــــاد من حربٍ            أعدى الأعـادِي إليها ملقي الســلم
ردت بلاغتها دعوٰى معـارضها رد             الغــيور يـد الجــاني عــن الحرم
لها معانٍ كموج البـــحر في مـــدد              وفـوق جوهره في الْحسن والقيم
فما تعد ولا تحـــصٰى عجــــائبـــها              ولا تسـام على الإكـــثار بالسأم
قَرت بها عيــــن قَاريهَا فقــــلت له                 لقَد ظــفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفَـــــة من حر نار لظىٰ             أطفأت حر لَظىٰ من وردها الشبم
 الدليل الثالث: في "الصحيحين" عن أبِي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من الأنبياء نبي إِلا أعطي ما مثله آمن عليه الْبشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله لَي، فَأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعاً يوم القيامة).

قال ابن حجر في بيان الحديث لتجدد المعجزة القرآنية: "المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمراً".

وبين ابن حجر سر ترتيب قوله: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) على معجزة القرآن فقال: "رتَّب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة؛ لكثرة فائدته، وعموم نفعه، لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون، فعم نفعه من حضر ومن غاب، ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك، وهذه الرجوى قد تحققت فإنه أكثر الأنبياء تبعاً".
السمة الثانية: القرآن دستور الحياة الكونية السعيدة:

فقد أنزله الله تعالى:

1) هادياً الناس سبل السلام، ومخرجاً للعباد من الظلمات إلى النور، وهادياً إلى الصراط المستقيم في كل الأمور الحياتية {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة:16).

2) وليس يهدي فقط للأمر القويم، بل لما هو أقوم {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء:9).

3) وجعله مبيناً متعدد الطرق في تنمية المجتمعات وتزكية الأفراد والجماعات بالخيرات والصالحات {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} (النور:34)، فالقرآن منهج دائم عاصم.

القرآن منهج دائم عاصم:

عوفيت الأمة الإسلامية مادامت متمسكة بالقرآن من أعظم دائين يبيدان الأمم، ويزيلان وجودها الحضاري:

داء الضلالة الفكرية والثقافية، وهذا داء عقلي.

وداء الهلاك والاستئصال، وهذا داء جسدي يجتاح الأفراد والأمة.

وقد يتساءل متسائل: كيف يمكن أن تعافى أمة الإسلام وهي أشد ما تكون سوءاً في حياتها، يعلو سطحها الخسار، ويرفرف في واقعها البوار، ويرى المرء البؤس في مجموعها كأنها بين الأمم بقايا دمار؟

والجواب واضح للمنصفين من أولي الألباب: سبب ذلك بعدها عن القرآن بل إن الحياة المعاصرة في الأمة الإسلامية تشهد أمراً شيطانياً كئيباً حيث تعقد مؤتمرات القمم، ومؤامرات الظالمين والظُلَم لمناقشة ممارسة مزيد من السبل والطرق لإقصاء القرآن عن سبيل بني الإنسان.

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يبين كيف يعصم القرآن حياة المتبعين له من الداءين المذكورين، فيحكي أبو شريح الخزاعي -فيما رواه ابن أبي شيبة وابن حبان-: قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أبشروا وأبشروا. أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)؟ قالوا: نعم، قال: (فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبدا).

واهاً لهم كيف ابتعدوا عن القرآن، ثم حاولوا إبعاده عمن يريده من كل مُتعَبٍ مضنىً حيران، فأشقوا أنفسهم، وأحدثوا الجراح الغائرة في جسد أمتهم فهم يعمهون..{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (يس:30)..على أن ذلك لا يمكن أن يحجب نوره عن الآفاق، ونسماته الرائعة من الارتفاع والإشراق، وبيناته من إزاحة الظلمات عن القلوب الحائرة حينما كانت تغدو حزينة لا ولي لها ولا واق.. ولذا قال فيه نقولا حنا الذي أسلم بعد قراءته للقرآن:
يـقـولـون مـا آيـاتُه، ضلَّ سعـيُهــــــــم     وآيـاتُه - لــــــــــــــيست تُعدّ - عِـــظام
كفى معجزُ الفرقـان للنــــــــــــاس آيةً     عـلا وسمـا كـالنــجـم لـــــــــــيس يُــرام
فكلُّ بـلـيغٍ عـنده ظلّ صــــــــــــــامتًا      كأنّ عـلى الأفـواه صُـــرَّ كِمــــــــــــــام
كفــى نصـــره فـــرداً تعاديــه أمـــةٌ       ومـــن ينـــصر الرحمــــن كيف يضام
وشاء إله العرش بالنـــاس رحــــمـــة      وأن يــتـــلاشى حـــــقـــدهم وخصـــام
فــفرق مــا بين الضــلالة والـــهـــدى        بفــرقان نــور لــم يَشُــــبْهُ قــــــتـــام
أتــــــاهم بقـــرآن الســـلام رســـــولُه        فطـــاف بأرجـــاء البــــلاد ســــــلام
كتاب هدى لا ريب فيــــه مشــــرع         وللســــــلم والعمـــــران فيــــه دِعـام
مفصـــــلةٌ آيـــــــــاته عـــــــربــيـــة         فِصــــاح بها عـــــز البيان عــــظـام
تجـــــــاوب أصداء التلاوة في قــــبا           فشـــق لـها في المشــــــرقين إمـام

ألفاظ الأضداد في القرآن الكريم

في لسان العرب ثمة ما يسمى بـ (الألفاظ المتضادة)، وهي وسيلة من وسائل التنوع في الألفاظ والأساليب والتعبير في العربية، فكانت بهذا المعنى خصيصة من خصائص اللغة العربية في مرونتها وطواعيتها في التنقل بين السلب والإيجاب، والتعكيس والتنظير. واستعمالها يدل على اتساع العرب في كلامهم، وأن مذاهبهم لا تضيق عليهم عند الخطاب.

المراد بمصطلح الأضداد

(الضد) في اللغة يقع على معنيين متضادين، والمراد بمصطلح (الأضداد) الألفاظ التي توقعها العرب على المعاني المتضادة، فيكون اللفظ الواحد منها مؤدياً لمعنيين مختلفين بدلالة السياق والسباق. وبعبارة أخرى: استعمال كلمة للدلالة على معنى معين، واستعمالها في الوقت نفسه للدلالة على عكس هذا المعنى. وكلمة (الضد) نفسها تدل على (المخالف)، وتدل على (النظير)، ومن أمثلة الألفاظ المتضادة قولهم: (جَلَل) للكبير والصغير، وللعظيم واليسير. و(الجون) للأسود والأبيض. و(القوي) للقوي والضعيف. و(الرجاء) للرغبة والخوف.

قال ابن فارس: "إن من سنن العرب في الأسماء أن يسموا المتضادَّين باسم واحد". وقد قال بعض أهل اللغة: "إذا وقع اللفظ على معنيين متضادين، فالأصل لمعنى واحد، ثم تداخل الاثنان على جهة الاتساع".

الموقف من الأضداد

الذي عليه أكثر أهل اللغة أن (الأضداد) موجود في لسان العرب، قال بذلك: الخليل، وأبو عبيدة، وابن جني، والزجاج، وغيرهم من أئمة اللغة، وكفى بهم سنداً فيه. وأنكره بعض أهل اللغة، كابن دريد، وابن درستويه. وقد رد ابن فارس على المنكرين بقوله: "وهذا ليس بشيء؛ وذلك أن الذين رَوَوا أن العرب تسمِّي السيف مهنداً، والفرس طِرْفاً، هم الذين روَوا أن العرب تسمِّي المتضادَّين باسمٍ واحد".

وقد يكون من المفيد القول: إن المنكرين لـ (الأضداد) حملوا الألفاظ التي تدل على معان متضادة على أنها من باب المشترك اللفظي، وبعضهم أرجعها إلى تعدد لغات العرب.

والمفسرون للقرآن الكريم أقروا بوجود ألفاظ (الأضداد) في اللغة والقرآن، وتحفظ بعضهم عليها. فالطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {فلا أقسم بالشفق} (الانشقاق:16)، نقل أقوالاً في المراد من (الشفق)، ونقل عن بعضهم أن (الشفق) اسم للحمرة والبياض، وأنه من الأضداد، ولم يعقب على هذا القول، ما يدل على أنه يقر بوجود الأضداد. والقرطبي نقل كثيراً من أقوال أهل اللغة في المراد من بعض الألفاظ القرآنية على أنها من باب الأضداد، وصنيعه هذا يفيد أنه يقول بوجود ألفاظ الأضداد في اللغة والقرآن الكريم.

وعلى هذا سنن الطبري والقرطبي سار كل من البغوي، والبيضاوي، والرازي، وأبو حيان، وابن كثير، والآلوسي، وآخرون.

وقد تردد ابن عطية في القول بـ (الأضداد)، فتارة أنكره، كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى: {وأسروا الندامة} (سبأ:33)، قال: "ولم يثبت قط في لغة أن (أسر) من الأضداد". ونحو هذا قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} (طه:15)، فقد نقل عن بعض أهل اللغة أن المراد بـ {أخفيها} أي: أظهرها، وأن (أخفيت) من الأضداد. وعقب على هذا بقوله: "وهذا قول مختل". في حين عد كثير من أهل اللغة هاتين الكلمتين من (الأضداد). وتارة أخرى أقره كما فعل عند تفسيره لقوله سبحانه: {إلا امرأته كانت من الغابرين} (الأعراف:83)، حيث نقل عن النحاس أن لفظ (الغابر) من الأضداد، يقال في الماضي وفي الباقي، وأما في هذه الآية فهي للبقاء، أي من الغابرين في العذاب. فنَقْلُه عن النحاس من غير تعقيب، يشير إلى قبوله بالقول بـ (الأضداد).

وقريب من مسلكِ ابن عطية مسلكُ ابن عاشور، فقد تحفظ بالقول به تارة، كما هو صنيعه عند تفسيره لقوله تعالى: {فظلتم تفكهون} (الواقعة:65)، حيث نقل عن الكسائي أن المراد من لفظ {تفكهون} التلهف على ما فات، وأن الفعل {تفكهون} من الأضداد؛ ذلك أن العرب تقول: تفكهت، أي: تنعمت، وتفكهت، أي: حزنت. قال: "وادعى الكسائي أنها من أسماء الأضداد، واعتمده في "القاموس"، إذ قال: وتفكه، أكل الفاكهة، وتجنب عن الفاكهة ضده"، فقوله: "وادعى..." يومئ إلى أن ابن عاشور يتحفظ على القول بوجود ألفاظ الأضداد.

وكذلك فعل عند تفسيره لقوله سبحانه: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} (الكهف:79)، فقد ذكر أن بعض المفسرين فسر قوله سبحانه: {وراءهم} بمعنى (أمامهم)، وعقب على ذلك بقوله: "فتوهم بعض مدوني اللغة، أن (وراء) من أسماء الأضداد، وأنكره الفراء، وقال: لا يجوز أن تقول للذي بين يديك: هو وراءك، وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي، تقول: وراءك برد شديد، وبين يديك برد شديد. يعني أن ذلك على المجاز. قال الزجاج: وليس من الأضداد كما زعم بعض أهل اللغة". فقوله: "فتوهم..."، ونَقْلُه إنكار الفراء له، ثم نقله لقول الزجاج: إنه ليس من الأضداد، يدل مجموع ذلك على تحفظه على القول بالأضداد.

بيد أن ابن عاشور في مواضع أخر من تفسير نجده يقول بـ (الأضداد)، كما كان شأنه عند تفسيره لقوله تعالى: {والليل إذا عسعس} (التكوير:17)، فقد نقل عن المبرد والخليل أن لفظ {عسعس} من ألفاظ الأضداد، يقال: عسعس الليل، إذا أقبل ظلامه، وعسعس، إذا أدبر ظلامه. ونَقْلُه عنهما دون تعقيب أو تعليق يدل على أنه يقول بـ (الأضداد).

التأليف في الأضداد

ألَّف في باب الأضداد جماعة من أئمة اللغة، منهم: قطرب، والأنباري، وابن الدهان، والصغاني، وآخرون.

أمثلة قرآنية من الأضداد

ورد في القرآن جملة من الألفاظ التي يمكن تصنيفها على أنها من ألفاظ (الأضداد) من أمثلتها :

- قوله سبحانه: {مالك يوم الدين} (الفاتحة:4)، قال أهل اللغة: دان الرجل إذا أطاع، ودان إذا عصى، ودان إذا عز، ودان إذا ذل، فلفظ (الدين) من حيث الأصل اللغوي هو من الأضداد؛ وعلى هذا يكون المعنى: أن الله سبحانه هو مالك اليوم الذي يجازي فيه أهل طاعته، ويعاقب فيه أهل معصيته، ويعز فيه المؤمنين من عباده، ويذل فيه الكافرين.

- قوله سبحانه: {فلا تجعلوا لله أندادا} (البقرة:22)، أي: أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله. قال أبو عبيدة: (النِّد) المثل والضد، وهو من الأضداد، والله تعالى بريء من المثل والضد.

- قوله عز وجل: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} (البقرة:52)، (عفت) الريح الأثر: أذهبته، وعفا الشيء: كثر، فلفظ (العفو) من حيث الأصل اللغوي من الأضداد؛ وسياق الآية يدل على أن المراد من (العفو) هنا المعنى الأول، وهو معنى محو الذنب. ومما جاء على المعنى الثاني قوله عز وجل: {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا} (الأعراف:95)، أي: كثرت أموالهم وأولادهم.

- قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} (النساء:3)، (خفتم) من الأضداد؛ فقد يكون المَخُوف منه معلومَ الوقوع، وقد يكون مظنوناً؛ فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال بعضهم: (خفتم) بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: (خفتم) بمعنى ظننتم. قال ابن عطية: وهذا الذي اختاره الحذاق، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين، والتقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها.

- قوله عز وجل: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} (البقرة:46)، (الظن) من الأضداد، يكون شكاً ويقيناً وأملاً، كـ (الرجاء) يكون خوفاً وأملاً وأمناً. و(الظن) هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين، فلا يذهب وهم عاقل إلى أن الله تعالى يمدح قوماً بالشك في لقائه. ومن هذا القبيل قوله تعالى: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} (الحاقة:20) وقوله سبحانه: {فظنوا أنهم مواقعوها} (الكهف:53).

- قوله سبحانه: {وأسروا الندامة} (يونس:54)، (أسر) من الأضداد، يأتي بمعنى أظهر، ويأتي بمعنى أخفى، وهو المشهور فيها، كقوله سبحانه: {يعلم ما يسرون وما يعلنون} (البقرة:77). ويحتمل هنا الوجهين: أما الإظهار؛ فإنه ليس بيوم تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّد، ولا يقدر فيه الكافر على كتمان ما ناله؛ ولأن حالة رؤية العذاب، يتحسر الإنسان على اقترافه ما أوجبه، ويُظهر الندامة على ما فاته من الفوز، ومن الخلاص من العذاب. وأما إخفاء الندامة، فقيل: أخفى رؤساؤهم الندامة من سفلتهم حياء منهم، وخوفاً من توبيخهم، قال أبو حيان: "وهذا فيه بُعد؛ لأن من عاين العذاب هو مشغول بما يقاسيه منه، فكيف له فكر في الحياء، وفي التوبيخ الوارد من السفلة".

ونظير هذا قوله تعالى: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} (طه:15)، قال المفسرون: (أخفى) من الأضداد، بمعنى الإظهار، وبمعنى الستر. والآية تحتمل المعنيين.

- قوله عز وجل: {مهطعين مقنعي رءوسهم} (إبراهيم:43)، يقال: أقنع الرجل رأسه إذا رفعه، وأقنع إذا طأطأ رأسه ذلة وخضوعاً، والآية محتملة الوجهين؛ وبناء عليه يكون معنى الآية: رافعي رؤوسهم، ينظرون في ذل، قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: ناكسي رؤوسهم. قال القرطبي: "والقول الأول أعرف في اللغة".

- قوله تعالى: {حنفاء لله غير مشركين به} (الحج:31) لفظ (الحنيف) من الأضداد، يقع على الاستقامة، ويقع على الميل، والآية تحتمل الوجهين؛ فيكون المعنى: مستقيمين على صراط الله، أو مائلين إلى الحق.

- قوله سبحانه: {ومن ورائه عذاب غليظ} (إبراهيم:17)، الظرف (وراء) هو من الأضداد، يقال: هذا الأمر من ورائك، أي سيأتيك بعد، وأنا من وراء فلان يعني أصل إليه، وهو هنا بمعنى: بعد. وقيل: {ومن ورائه} أي: من أمامه. ونظير الآية قوله عز وجل: {من ورائه جهنم} (إبراهيم:16) أي: من بعد هلاك هذا الكافر جهنم يصلاها وبئس المصير. والمثل الأبرز هنا قوله تعالى: {وكان وراءهم ملك} (الكهف:79)، أي: أمامهم، وإلى هذا ذهب جمع من أهل اللغة والمفسرين.

- قوله سبحانه: {فأصبحت كالصريم} (القلم:20)، (الصريم) الصبح سمي بذلك؛ لأنه انصرم عن الليل. و(الصريم) الليل؛ لأنه انصرم عن النهار. فإن كان المراد بـ (الصريم) في الآية الليل؛ فلاسوداد موضعها. وإن كان المراد به النهار؛ فلذهاب الشجر والزرع، ونقاء الأرض منه.

- قوله تعالى: {مثلا ما بعوضة فما فوقها} (البقرة:26)، (فوق) تكون بمعنى (فوق)، وتكون بمعنى (دون)، والآية تحتمل المعنيين؛ فعلى الأول يكون معنى الآية: إن الله يضرب المثل بالبعوضة فما فوقها من المخلوقات، وعلى الثاني يكون المعنى: إن الله يضرب المثل بالبعوضة فما دونها من المخلوقات.

- قوله سبحانه: {وجعلناكم شعوبا} (الحجرات:13)، لفظ (الشعب) بفتح الشين من الأضداد، يدل على الافتراق، ويدل على الاجتماع، يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرقته، ومنه سميت المنية شعوباً؛ لأنها مفرقة. قال الخليل: "من عجائب الكلام ووسع العربية، أن الشعب يكون تفرقاً، ويكون اجتماعاً. والآية هنا تحتمل الوجهين، وقد ذكرهما الرازي:

أحدهما: جعلناكم شعوباً متفرقة، لا يُدرى من يجمعكم كالعجم، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب وبني إسرائيل.

ثانيهما: جعلناكم شعوباً داخلين في قبائل؛ فإن القبيلة تحتها الشعوب، وتحت الشعوب البطون، وتحت البطون الأفخاذ، وتحت الأفخاذ الفصائل، وتحت الفصائل الأقارب.

- قوله عز وجل: {ومتاعا للمقوين} (الواقعة:73)، (المقوي) من ألفاظ الأضداد، يكون بمعنى الفقير، ويكون بمعنى الغني، يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه، وكثر ماله. والآية تصلح للجميع؛ لأن النار يحتاج إليها المسافر، والمقيم، والغني، والفقير.

وبما تقدم من أمثلة يتضح أن القرآن الكريم تضمن جملة من الألفاظ التي تفيد معنى التضاد، وأن هذا التضاد اللفظي يُغني معنى الآية، ويوسع مرادها، فلا يجعلها قاصرة على معنى بعينه، بل يجعلها تحتمل أكثر من تفسير، ويأتي عمل المفسر هنا ليرجح أحد المعنيين وفق ما يراه من المرجِّحات.

ماذا يريد أصحاب الشهوات؟

من الآيات التي تقرر المباينة بين دعوة الحق التي يدعو إليها سبحانه وتعالى، وقد بيَّن سُبُلَها، ودعوة أولياء الشيطان الذين يدعون الناس إلى اتباع الشهوات، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله ما جاء في قوله سبحانه: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} (النساء:27). الحديث عن هذه الآية تنظمه الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: جاءت الآية الكريمة في سياق الحديث عن المحرمات من النساء والحلائل منهن، وبيان أن الله سبحانه أحل لعباده منهن ما فيه صلاحهم في الدين والدنيا، وحرم عليهم منهن ما لا خير لهم فيه، وختم سبحانه هذا البيان بقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} (النساء:26)، ثم أردف هذه الآية بآية تبين ما يحبه أصحاب الشهوات، ويسعون إليه، بقوله تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.

الوقفة الثانية: ذكر المفسرون أن المراد بمن وصفهم الله {ويريد الذين يتبعون الشهوات} أربعة أقوال: فقيل: هم الزناة. وقيل: هم اليهود والنصارى. وقيل: هم اليهود خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتباع شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب. وذلك أنهم يحلون نكاحهن. والقول الرابع أن الآية عامة تشمل أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم، ويكون المراد من {الذين يتبعون الشهوات} الذين تغلبهم شهواتهم على مخالفة ما شرعه الله لهم من الذين لا دين لهم، وهم الذين لا ينظرون في عواقب الذنوب ومفاسدها وعقوبتها، ولكنهم يُرْضون شهواتهم الداعية إليها. وهذا القول الأخير هو المعول عليه في المراد من هذه الآية، وهو الذي ينبغي أن تُحمل عليه الآية، وهو الذي اختاره الطبري، وصححه القرطبي.

الوقفة الثالثة: (الميل) هو العدول عن طريق الاستواء، وأصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب، ولما كان الاعتدال فيه العدل، أطلق الميل على الجور والاعتداء. و(الميل العظيم) هو البعد عن أحكام الشرع، والطعن فيها.

الوقفة الرابعة: قال ابن عاشور: "المقصد من التعرض لإرادة الذين يتبعون الشهوات تنبيه المسلمين إلى دخائل أعدائهم؛ ليعلموا الفرق بين مراد الله من الخلق، ومراد أعوان الشياطين، وهم الذين يتبعون الشهوات". فالذين {يتبعون الشهوات} يريدون من المؤمنين الانصراف عن الحق، والميل عنه إلى المعاصي والشهوات، وهذا دأبهم، وشأنهم، وديدنهم؛ إذ لا يروق لهم بحال أن يرووا المؤمنين قائمين على منهج الله؛ لأن ذلك يعكر على نهجهم الباطل، ويفسد عليهم مخططاتهم الشيطانية.

الوقفة الخامسة: إطلاق (الإرادة) في قوله تعالى: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} على رغبة أصحاب الشهوات في ميل المسلمين عن الحق هو من باب المشاكلة للآية السابقة، وهي قوله عز وجل: {يريد الله ليبين لكم} (النساء:26). والمقصود -كما ذكر ابن عاشور-: "ويحب الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا...ولما كانت رغبتهم في ميل المسلمين عن الحق رغبة لا تخلو عن سعيهم لحصول ذلك، أشبهت رغبتهم إرادة المريد للفعل، ونظير هذا قوله تعالى: {ويريدون أن تضلوا السبيل} (النساء:44)".

الوقفة السادسة: أفادت الآية الكريمة أن هدي الله تعالى هو هدي الفطرة السليمة، التي لم تنحرف عما فطرها الله عليه، ولم تخرج عن النهج السوي، ليس فيها تحريم للطيبات ومتع الحياة، وليس فيها انطلاق إلى الأهواء والشهوات، والخروج عن سنن الفطرة المستقيمة. وأن دعوة أولياء الشيطان، وأعوان إبليس دعوة إلى الانحراف، والميل إلى جانب الشهوة ميلاً عظيماً، ينحرف بالعبد عن سبيل الفطرة السوية.

الوقفة السابعة: دلت الآية الكريمة على أن الناس في كل عصر ومصر يوجد فيهم صنفان من الدعاة : دعاة الإيمان يدعونهم إلى الحق والاعتدال بدعاية الرحمن، وهداية الأديان، لا يحرمون ما أحل الله من طيبات، ولا يحللون ما حرم الله من الخبائث والمنكرات. والثاني دعاة الشيطان، يدعونهم إلى الانحراف، وسلوك سبل الرذيلة والفاحشة، ويأمرونهم بالفاحشة، وينهونهم عن المعروف، ويحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحلَّ الله. وهم يريدون من الناس -كل الناس-أن يكونوا على شاكلتهم من الانحراف، فهم لا يكتفون منهم بمجرد الميل عن الطريق السوي، بل يريدون منهم أن يميلوا {ميلا عظيما}، وأن ينحرفوا انحرافاً مطلقاً، فيبتعدوا عن الوسط والاعتدال إلى أقصى الانحراف.

الوقفة الثامنة: المتأمل اليوم في أنشطة الناس كافة: التربوية، والتعليمية، والاجتماعية، والإعلامية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأنشطة الإنسانية، لا يعجزه أن يقف على ما يقوم به أصحاب الشهوات لثني الناس -والمسلمين خاصة- عن طريق الرشد والهداية، والدفع بهم إلى طرق الباطل والضلال، وهم قد أفلحوا في ذلك فلاحاً ليس بالقليل، فعلى المؤمن أن يحترس لدينه، ويحتاط لأمره، ولا يدع لأصحاب الشهوات أن يميلوا به عن طريق الرشد والصواب إلى ذات اليمين وذات الشمال. ومما ينبغي أن يُستحضر في هذا الصدد قول الله تبارك وتعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} (البقرة:168)، وقوله عز وجل: {لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} (النور:21)، وأصحاب الشهوات هم شياطين الأنس، الذين يتلقون الأمور والتوجيهات من شياطين الجن.

لفظ (الزوج) في القرآن الكريم

الأصل في مادة (زوج) أن يدل على مقارنة شيء لشيء. وكل ما كان له قرين من جنسه، يقال له: زوج، فـ (الزوج) اسم يقع على كل واحد من المقترنين، يقال: للرجل زوج، وللمرأة زوج، وهو الفصيح. قال الله جل ثناؤه: {اسكن أنت وزوجك الجنة} (البقرة:35). ويقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج. ويقال لكل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر: زوج. و(الزوجان) في كلام العرب: الاثنان. يقال: عليه زوجا نعال، إذا كانت عليه نعلان، ولا يقال: عليه زوج نعال، وكذلك: عنده زوجا حمام، وعليه زوجا قيود. ويقال لكل ما يقترن بآخر مماثلاً له، أو مضاداً: زوج. وزوجة لغة رديئة، وجمعها زوجات، وجمع الزوج أزواج.

ولفظ (الزوج) ورد في القرآن الكريم في ثلاثة وثمانين موضعاً، جاء في خمسة مواضع بصيغة الفعل من ذلك قوله عز وجل: {كذلك وزوجناهم بحور عين} (الدخان:54)، وجاء في سبعة وسبعين موضعاً بصيغة الاسم من ذلك قوله تعالى: {وأنبتت من كل زوج بهيج} (الحج:5).

ولفظ (الزوج) جاء في القرآن الكريم على ثلاثة معان رئيسة:

الأول: بمعنى الزوجة حليلة الرجل، من ذلك قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} (النساء:12)، وقوله سبحانه: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} (الزخرف:70)، فلفظ (الزوج) في هاتين الآيتين وأشباههما المراد منه زوجة الرجل وحليلته.

الثاني: بمعنى الصنف، من ذلك قوله عز وجل: {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} (الشعراء:7)، أي: أنبتنا من كل صنف من أصناف النبات زوجين اثنين. ونظير هذا قوله سبحانه: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} (يس:36)، أي: الأصناف بجميع أشكالها وصورها، من الجماد، والنبات، والحيوان، والإنسان. وبحسب هذا المعنى جاء قوله عز وجل: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} (الأنعام:143). وقوله تعالى: {وكنتم أزواجا ثلاثة} (الواقعة:7). و(الزوج) بحسب هذا المعنى كثير في القرآن الكريم.

الثالث: الزوج بمعنى القرين والنظير، من ذلك قول الباري تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} (الصافات:22)، أي: نظراءهم، وقرناءهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني: أتباعهم، ومن أشبههم من الظلمة. وقال ابن كثير: "يعني بـ (أزواجهم) أشباههم وأمثالهم". وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزنا مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر. ونحو هذا قوله تعالى: {وإذا النفوس زوجت} (التكوير:7)، أي: قُرنت بأشكالها في الجنة والنار. وقيل: قُرنت الأرواح بأجسادها، حسبما نبه عليه قوله تعالى في أحد التفسيرين: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} (الفجر:27-28)، أي: صاحِبِك. وقيل: قُرنت النفوس بأعمالها، حسبما نبه عليه قوله عز وجل: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء} (آل عمران:30).

فأما قوله سبحانه: {وزوجناهم بحور عين} (الدخان:54)، فمعناه: جعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حساناً من الحور العين. ولا يجوز أن يكون من التزويج؛ لأنه لا يقال: زوجت فلاناً بفلانة، وإنما يقال: زوجت فلانة فلاناً بغير باء. قال الأصفهاني: "ولم يجئ في القرآن (زوجناهم حوراً)، كما يقال: زوجته امرأة؛ تنبيهاً أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة".

وقوله عز وجل: {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} (الشورى:50)، معناه: يعطي سبحانه من يشاء من الناس الزوجين: الذكر والأنثى، أي: من هذا وهذا. وقد يكون على معنى: يجعل في الحمل الواحد ذكراً وأنثى توأماً، وهذا المعنى الأخير قاله ابن زيد.

وقوله جل شأنه: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} (الذاريات:49)، قال مجاهد: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجن. وقال الحسن: السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء. وقال الطبري في المراد من هذه الآية: "إن الله تبارك وتعالى، خلق لكل ما خلق من خلقه ثانياً له، مخالفاً في معناه، فكل واحد منهما زوج للآخر، ولذلك قيل: خلقنا زوجين. وإنما نبه جل ثناؤه بذلك على قدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه، إذ كل ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين، ولا تصلح للتبريد، وكالثلج الذي شأنه التبريد، ولا يصلح للتسخين، فلا يجوز أن يوصف بالكمال، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كل ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة". وأشار الأصفهاني إلى أن هذه الآية تنبيه إلى أن الأشياء كلها مركبة من جوهر وعرض، ومادة وصورة، وأن لا شيء يتعرى من تركيب يقتضي كونه مصنوعاً، وأنه لا بد له من صانع؛ تنبيها أنه تعالى هو الفرد الصمد.

وحاصل القول: إن لفظ (الزوج) في القرآن الكريم ورد على ثلاثة معان رئيسة: إما على معنى زوجة الرجل وحليلته، وإما على معنى القرين، وإما على معنى الصنف، والسياق والسباق هو الذي يحدد أي المعاني الثلاثة هو المراد.

اللغو في اليمين

يذكر الفقهاء أن اليمين التي يحلفها الإنسان تنقسم إلى أنواع ثلاثة: يمين اللغو، واليمين المنعقدة، واليمين الغموس. وقد جاء في يمين اللغو قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم} (البقرة:225)، هذه الآية تناولت حكم يمين اللغو، والحديث عما تضمنته من أحكام يأخذ المنحى التالي:

أولاً: (اللغو) لغة: أن يأتي الإنسان بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، وهو الساقط الذي لا يُعتد به. و(اللغو) في كلام العرب: كل كلام كان مذموماً، وفعلٍ لا معنى له مهجوراً، فإذا كان (اللغو) كذلك، كالقائل: والله ما فعلت كذا، وقد فعل، ولقد فعلت كذا وما فعل، على سبيل سبق لسانه، والقائل: والله إن هذا لفلان، وهو يراه كما قال، أو والله ما هذا فلان، وهو يراه ليس به، والقائل: لا يفعل كذا والله، وكان ذلك منه على سبيل من عجلة الكلام، وسبق اللسان، على غير تعمد حلف على باطل، فما جاء على هذا الوصف من الكلام فهو (اللغو).

ثانياً: (الأيمان) لغة: جمع يمين، واليمين: الحَلِف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت، أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحَلِف والعهد نفسه يميناً. وقيل: يمين (فعيل) من اليُمن، وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك؛ لأنها تحفظ الحقوق. و(اليمين) تذكَّر وتؤنث، وتجمع على أيمان وأيمن.

ثالثاً: اختلف العلماء في المراد بـ (اللغو) في اليمين، وحاصل أقوالهم تنحصر في مذهبين:

الأول: أن (اللغو) في اليمين هو: ما يجري على اللسان مجرى التأكيد أو التنبيه، من غير اعتقاد لليمين، ولا إرادة لها، كقول الرجل: لا والله، وبلى والله، وقول القائل: والله لقد سمعت من فلان كلاماً عجباً، وغير هذا ليس بلغو. وهذا المعنى (للغو) منقول عن عائشة رضي الله عنها، وقد روى البخاري عنها أنها قالت: (نزل قول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو} في قول الرجل: لا والله، وبلى والله)، وهو قول الشافعي وأحمد. قال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء.

الثاني: أن اللغو في اليمين هو: أن يحلف الإنسان على أمر يظنه كما يعتقد، فيكون الأمر بخلافه. وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه في معنى (اللغو) قوله: هو أن يحلف الرجل على الشيء، لا يظن إلا أنه أتاه، فإذا ليس هو ما ظنه. وهذا التأويل لمعنى (اللغو) منقول عن ابن عباس رضي الله عنه، وهو قول أبي حنيفة ومالك. قال مالك في "الموطأ": "أحسنُ ما سمعت في هذه: أن (اللغو) حَلِفُ الإنسان على الشيء، يستيقن أنه كذلك، ثم يجد الأمر بخلافه، فلا كفارة فيه". ومأخذ هذا القول من الآية: أن الله تعالى جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين، ولا تكون المؤاخذة إلا على الحنث، لا على أصل الحَلِف؛ إذ لا مؤاخذة لمجرد الحَلِف، ولا سيما مع البَر باليمين، فتعين أن يكون المراد من كسب القلب كسبه الحنث، أي: تعمده الحنث، فهو الذي فيه المؤاخذة.

ويترتب على الخلاف بين المذهبين، أن أصحاب المذهب الأول -وهم الجمهور- لا يوجبون الكفارة فيما يجري على اللسان من غير قصد، ويوجبونها في اليمين التي يحلفها صاحبها على ظن، فيتبين خلافه، أما أصحاب المذهب الثاني فلا يوجبون الكفارة فيما جرى مجرى الظن، ثم تبين الأمر خلافه، ويوجبونها فيما يجري على اللسان من غير قصد.

قال الشيخ علي السايس: "وأظهر الأقوال ما ذهب إليه الأولون -أي جمهور أهل العلم- والحجة فيه: أن الله قسم اليمين إلى قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسب القلب: هو ما قصد إليه. وحيث جعل اللغو مقابله. فيُعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه، وذلك هو ما يجري به اللسان من غير قصد إليه".

رابعاً: حكم يمين اللغو: أفاد قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} أن من حلف على شيء من غير قصد، أو حلف على شيء بقصد، ثم تبين له أن الأمر على خلاف ما قصده، فإنه لا كفارة عليه في الدنيا، ولا يؤاخذه الله يوم القيامة، وإنما تكون المؤاخذة عند الحَلِف على شيء يقصده الإنسان، ثم يفعل خلاف ما قصد، وهذا ما يسمى باليمين المنعقدة، المنصوص على حكمها في قوله عز وجل: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} (المائدة:89).

قال الجصاص: "ومعلوم أنه لما عطف قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أن مراده ما عقد قلبه فيه على الكذب والزور وجب أن تكون هذه المؤاخذة هي عقاب الآخرة، وأن لا تكون الكفارة المستحقة بالحنث؛ لأن تلك الكفارة غير متعلقة بكسب القلب"، وكلام الجصاص يفيد أن اليمين الغموس -وهي التي تغمس صاحبها في النار- هي المقابلة ليمين (اللغو) في هذه الآية.

وقد قال الإمام مالك في الموطأ بعد أن بين المراد بـ (اللغو) في اليمين، قال: "وعقد اليمين، أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير، ثم يبيعه بذلك. أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه. ونحو هذا. فهذا الذي يكفر صاحبه عن يمينه...فأما الذي يحلف على الشيء، وهو يعلم أنه آثم، ويحلف على الكذب، وهو يعلم، ليرضي به أحداً، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه. أو ليقطع به مالاً، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة"، وهذا الأخير في كلام مالك هو ما يسميه الفقهاء باليمين الغموس.

أما المراد من نفي (المؤاخذة) في الآية، فهو نفي (المؤاخذة) بالإثم وبالكفارة؛ لأن نفي الفعل يعم، فاليمين التي لا قصد فيها، لا إثم فيها، ولا كفارة عليها، لكن ينبغي على الإنسان ألا يعود لسانه على كثرة الحلف. ويلحق بيمين اللغو اليمين التي يحلفها الإنسان وهو ناس، فلا شك في إلغائها؛ لأنها جاءت على خلاف قصده، فهي لغو محض. ومثل ذلك يقال في يمين المكرَه. أما اليمين المنعقدة فتلزم فيها الكفارة للخروج من الإثم، ولها تفصيل آخر.

مقاصد سورة الشعراء

سورة الشعراء هي السورة السابعة والأربعون بحسب ترتيب نزول السور، وهي السورة السادسة والعشرون بحسب ترتيب المصحف العثماني. نزلت بعد سورة الواقعة، وقبل سورة النمل. وآياتها سبع وعشرون ومائتا آية. وهي مكية في قول أكثر أهل العلم. نزلت فيما يرجح إثر طلب المشركين أن يأتيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخوارق.

تسميتها

اسم السورة الأشهر (الشعراء)، قال المهايمي: "سميت هذه السورة بها؛ لاختصاصها بتمييز الرسل عن الشعراء؛ لأن الشاعر إن كان كاذباً، فهو رئيس الغواة، لا يتصور منه الهداية، وإن كان صادقاً، لا يتصور منه الافتراء على الله تعالى"، يشير إلى أن ذكر الشعراء فيها، لبيان أنهم في معزل عن الرسالة وتبرئة مقام الرسول صلوات الله عليه. وقال الفيروزآبادي: "سميت سورة الشعراء؛ لاختتامها بذكرهم في قوله: {والشعراء يتبعهم الغاوون} (الشعراء:224)". وتسمى أيضاً سورة (الظلة)؛ لقوله تعالى فيها: {فأخذهم عذاب يوم الظلة} (الشعراء:189). وذكر ابن كثير أنه وقع في "تفسير مالك" المروي عنه، تسميتها (الجامعة).

فضلها

روى الإمام أحمد، وأبو يعلى في "مسنديهما"، عن معقل ابن يسار رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه، والطواسين، والحواميم من ألواح موسى) الحديث، والشاهد قوله: (والطواسين)، والمراد سور الشعراء، والنمل، والقصص، حيث بدأت سورتا الشعراء والقصص بقوله سبحانه: {طسم}، وبدأت سورة النمل بقوله عز وجل: {طس}.

وذكر القرطبي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المبين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي).

مقصودها

مقصود سورة الشعراء على الجملة: إثبات توحيد الله سبحانه. والخوف من الآخرة. والتصديق بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتخويف من عاقبة التكذيب، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين، وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين.

أما مقصود السورة على التفصيل فجاء وفق التالي:

- التنويه بالقرآن الكريم، والتعريض بعجز المشركين عن معارضته. والرد على مطاعنهم في القرآن، وأنه منزه عن أن يكون شعراً، ومن أقوال الشياطين.

- تواجه السورة تكذيب مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واستهزاءهم بالنُّذر، وإعراضهم عن آيات الله، واستعجالهم بالعذاب الذي توعدهم به، مع التقول على الوحي والقرآن والادعاء بأنه سحر أو شعر، تتنزل به الشياطين!

- تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقيه من إعراض قومه عن التوحيد الذي دعاهم إليه القرآن.

- تهديد المشركين بسبب موقفهم من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرضهم لغضب الله تعالى، وضرب المثل لهم بما حل بالأمم المكذبة رسلها، والمعرضة عن آيات الله.

- طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين، وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين، كما ثبت من قبلهم من المؤمنين.

- تضمنت السورة مناظرة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون الملعون، زعيم الطغاة وسيدهم، وذكر السحرة، ومكرهم وخداعهم في الابتداء، وإيمانهم وانقيادهم في الانتهاء.

- هدفت السورة إلى تأكيد أن آيات الوحدانية، وصدق الرسل عديدة كافية لمن يطلب الحق، وأن أكثر المشركين لا يؤمنون، وأن الله عزيز قادر على أن ينزل بهم العذاب، وأنه رحيم برسله، ناصرهم على أعدائهم لا محال.

- تضمنت السورة جملة من قصص الأقوام السابقة، وغلب على قصصها -كما غلب على السورة كلها- جوُّ الإنذار والتكذيب، والعذاب الذي يتبع التكذيب، وجاء ختام كل قصة بقوله سبحانه: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} (الشعراء:8-9). قال الزمخشري: "كل قصة من القصص المذكورة في هذه السورة كتنزيل برأسه. وفيها من الاعتبار ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تختم بما اختتمت به صاحبتها؛ ولأن في التكرير تقريراً للمعاني في الأنفس، وتثبيتاً لها في الصدور. وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، وأبعد من النسيان؛ ولأن هذه القصص طُرقت بها آذان وَقْرٌ عن الإنصات للحق، وقلوب غُلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير، لعل ذلك يفتح أُذناً، أو يفتق ذهناً".

- أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته، وأنه عليه الصلاة والسلام ما عليه إلا البلاغ.

- خُتمت السورة بوعيد الظالمين، وبيان أن عاقبتهم عاقبة وخيمة، وأن ظلمهم شامل، يشمل ظلم أنفسهم بكفرهم بالله وآياته، وشامل أيضاً ظلم الآخرين، وذلك بالاعتداء على حقوق الناس.

أحكام الطلاق الرجعي

في سورة البقرة حديث عن أحكام الطلاق، بدأه سبحانه بقوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} (البقرة:228)، هذه الآية الكريمة تشتمل على أحكام الطلاق الرجعي، وتفصيل القول فيها ضمن المسائل التالية:

المسألة الأولى: المراد بـ (الطلاق) حَلُّ عقدة النكاح، وأصله الانطلاق والتخلية، يقال: ناقة طالق، أي: مهملة، قد تُركت في المرعى بلا قيد ولا راع، فسميت المرأة المخلَّى سبيلها طالقاً لهذا المعنى. قال الراغب: "أصل الطلاق التخلية من الوثاق، يقال: أطلقتُ البعير من عقاله، وطلّقته: إذا تركته بلا قيد، ومنه استعير: طلقتُ المرأة نحو خليتها، فهي طالق، أي: مخلَّاة عن حِبالَة النكاح".

المسألة الثانية: المراد بـ (المطلقات) هنا المدخول بهن، البالغات من غير الحوامل، أو اليائسات؛ لأن غير المدخول بها لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} (الأحزاب:49)، وعدة الحامل وضع الحمل؛ لقوله سبحانه: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} (الطلاق:4)، والمرأة التي لا تحيض، وكذا التي لم يعد الحيض يطرق بابها لكبر السن، عدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله عز وجل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} (الطلاق:4)، فلفظ (المطلقات) في الآية موضوع البحث لفظ عموم، والمراد به خصوص المدخول بهن؛ للأدلة المتقدمة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ثلاثة قروء} (القرء) في اللغة يطلق على (الحيض)، وعلى (الطهر)، فهو من الألفاظ المشتركة. وقد اختلف الفقهاء في تعيين المراد به في الآية الكريمة على قولين: فمذهب مالك و الشافعي ، أن المراد بـ (الأقراء) الأطهار. ومذهب الحنفية والحنابلة أن المراد بـ (الأقراء) الحيض.

قال ابن قدامة معللاً قول من قال: إن المراد بـ (القرء) الحيض: "لأن المعهود في لسان الشرع استعمال (القرء) بمعنى الحيض، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تدع الصلاة أيام أقرائها) رواه أبو داود، أي: أيام حيضها. ولم يُعهد في لسان الشرع استعمال (القرء) بمعنى (الطهر) في موضع، فوجب أن يُحمل كلامه على المعهود في لسانه". وقد رجَّح ابن القيم في كتابه "زاد المعاد" هذا القول الثاني، ونصره وأيده.

المسألة الرابعة: الحيضة التي تطلق فيها المرأة، لا تحسب من عدتها، بغير خلاف في ذلك بين أهل العلم؛ لأن الله تعالى أمر بثلاثة قروء، فتناول ثلاثة كاملة، والتي طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثة كاملة، فلا يُعتد بها. ولأن الطلاق إنما حرم في الحيض؛ لما فيه من تطويل العدة عليها، فلو احتسبت بتلك الحيضة قرءاً، كان أقصر لعدتها، وأنفع لها، فلم يكن محرماً، ومن قال: القروء الأطهار، احتسب لها بالطهر الذي طلقها فيه قرءاً، فلو طلقها وقد بقي من قرئها لحظة، حسبها قرءاً، وهذا قول كل من قال: القروء الأطهار، إلا الزهري وحده، قال: تعتد بثلاثة قروء، سوى الطهر الذي طلقها فيه.

المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في المراد من قوله سبحانه: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}، فقال بعضهم: المراد الحمل، وقال آخرون: المراد الحيض، والصواب أن المراد الحمل والحيض معاً؛ لأن الله تعالى جعل المرأة أمينة على رحمها، فقولها فيه مقبول؛ إذ لا سبيل إلى علمه إلا بخبرها، ولا خلاف بين الأمة أن العمل على قولها في دعوى الشغل للرحم أو البراءة ما لم يظهر كذبها.

وإنما حرم الله كتمان ما في أرحامهن؛ لأنه يتعلق بذلك حق الرجعة للرجل، وعدم اختلاط الأنساب، فربما ادعت انقضاء العدة، وهي مشغولة الرحم بالحمل من زوجها، ثم تزوجت، فأدى ذلك إلى اختلاط الأنساب، وربما حرمت الرجل من حقه في الرجعة؛ فلذلك حرم الله عليها كتمان ما في رحمها.

المسألة السادسة: قوله سبحانه: {وبعولتهن أحق بردهن} خاص بالمطلقة طلاقاً رجعيًّا دون المبتوتة؛ لأن المبتوتة قد ملكت نفسها. ولفظ {أحق} يطلق عند تعارض حقين، ويترجح أحدهما، فالمعنى حق الزوج في مدة التربص {أحق} من حقها بنفسها؛ فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء عدتها، ومثل هذا قوله عليه السلام: (الأيم أحق بنفسها من وليها) رواه مسلم.

والطلاق الرجعي يبيح للرجل حق الرجعة دون عقد جديد، ودون مهر جديد، ودون رضا الزوجة، ما دامت المرأة في العدة، فإذا انقضت العدة، ولم يراجعها، بانت منه. وقد أثبت الشارع للمطلق حق الرجعة بقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} أي: أحق بإرجاعهن في وقت التربص بالعدة، وإذا كانت الرجعة حقاً للرجل، فلا يُشترط رضا الزوجة، ولا علمها، ولا تحتاج إلى ولي.

قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته تطليقة، أو تطليقتين، وكانت مدخولاً بها، أنه أحق برجعتها، ما لم تنقض عدتها، وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلِّق حتى انقضت عدتها، فهي أحق بنفسها، وتصير أجنبية منه، لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد، ليس على سُنَّة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء".

وكل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فحسب، وهذا إجماع من العلماء؛ لقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق:3)، فذكر الإشهاد في الرجعة، ولم يذكره في النكاح، ولا في الطلاق.

المسألة السابعة: تصح المراجعة بالقول مثل قوله: راجعت زوجتي إلى عصمتي، وبالفعل مثل التقبيل، والمباشرة بشهوة، والجماع عند أبي حنيفة ومالك ، واختار هذا القول الشوكاني؛ "لأن العدة مدة خيار، والاختيار يصح بالقول وبالفعل، وظاهر قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن}، وقوله صلى الله عليه وسلم ل ابن عمر رضي الله عنهما عندما طلق امرأته: (مُرْهُ فليراجعها) متفق عليه، أنها تجوز المراجعة بالفعل؛ لأنه لم يخص قولاً من فعل، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل".

وقال الشافعي: لا رجعة إلا بالقول الصريح ولا تصح بالوطء ودواعيه؛ لأن الطلاق يزيل النكاح، ولو جامعها ينوي الرجعة، أو لا ينويها، فليس برجعة، ولها عليه مهر مثلها. قال ابن عبد البر: "ولا أعلم أحداً أوجب عليه مهر المثل غير الشافعي، وليس قوله بالقوي؛ لأنها في حكم الزوجات، وترثه ويرثها، فكيف يجب مهر المثل في وطئ امرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم الزوجة".

المسألة الثامنة: ذكر الإمام القرطبي أن "الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار، وتطويل العدة، والقطع بها عن الخلاص من عقدة النكاح فمحرم؛ لقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} (البقرة:231)، ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهي وظلم نفسه، ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه". وقال ابن كثير: "وزوجها الذي طلقها أحق بردتها، ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها الإصلاح والخير"، فتعين أن تكون (أحقية) الزوج بإرجاع الزوجة، ليست أحقية مطلقة، وإنما مقيدة بأن يكون الإرجاع بقصد الإصلاح؛ فإذا تبين أن إرجاعه بقصد الضر والإضرار، فلا تثبت له هذه (الأحقية).

المسألة التاسعة: اختلف العلماء فيما إذا كان للرجل المطلق طلاقاً رجعياً أن يدخل على مطلقته، ويرى شيئاً من محاسنها، وهل تتزين له وتتشرف؟ فمذهب الحنفية أن لها أن تتزين له، وتتطيب، وتلبس الحلي، وتتشرف. ومذهب مالك أنه لا يدخل عليها، ولا يرى شعرها. وقال الشافعي: المطلقة طلاقاً يملك رجعتها محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجعها. وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة، فإنه يستأذن عليها، وتلبس ما شاءت من الثياب، والحلي، فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد، فليجعلا بينهما ستراً، ويسلم إذا دخل عليها، ويشعرها حال دخوله بصوت ونحوه.

المسألة العاشرة: أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء عدة مطلقته: إني كنتُ راجعتك في العدة، وأنكرت المطلقة قوله، أن القولَ قولُها مع يمينها، ولا سبيل له إليها؛ لأن قولها مقبول في الحيض، وفي انقضاء العدة.

المسألة الحادية عشرة: قوله سبحانه: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}، أي: للزوجة من حقوق الزوجية على الرجل مثل ما للرجل عليها؛ ولهذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها علي؛ لأن الله تعالى قال: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} أي: زينة من غير مأثم". وروي عنه أيضاً قوله رضي الله عنه: أي: "لهن من حُسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن".

المسألة الثانية عشرة: قال العلماء استناداً للمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن زينة الرجال تكون على تفاوت أحوالهم، فإنهم يعملون ذلك على اللائق بحالهم، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، ولا تليق بالشيوخ، وزينة تليق بالشيوخ، ولا تليق بالشباب...فإنما يُعمل على اللائق بالحال؛ ليكون عند امرأته في زينة تسرها، ويعفها عن غيره من الرجال. فأما الطيب، وتنظيف الأسنان، وتنظيف البدن، وقص الشعر، وتقليم الأظفار فهو متعين في حق الجميع. قالوا: وعليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل، فيعفها، ويغنيها عن التطلع إلى غيره. وإن رأى الرجل من نفسه عجزاً عن إقامة حقها في مضجعها، أخذ من الأدوية ما يقوي شهوته حتى يعفها.

المسألة الثالثة عشرة: {وللرجال عليهن درجة}، تعددت أقوال العلماء في المراد بـ (الدرجة) التي ذكرها سبحانه للرجل على المرأة في هذه الآية، والمختار من ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حُسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلق، أي: أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه"، قال ابن عطية: "وهذا قول حسن بارع". وللموضوع بقية.

فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله

في سياق الإنذار والتهديد للظالمين بما توعدهم الله به على ألسنة رسله الكرام، جاء قوله سبحانه: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام} (إبراهيم:47)، لنا مع هذه الآية الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: هذه الآية الكريمة سُبقت بآية تنذر الظالمين وتتوعدهم، ينبغي استحضارها قبل الشروع عن الآية التي معنا، وهي قوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} (إبراهيم:42)، ففي هذه الآية إنذار للظالمين ومن شايعهم، وسار في ركابهم، أنهم لن يفلتوا من عقابه سبحانه، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود.

الوقفة الثانية: كان النهي في الآية السابقة عن أن يُحسب أن الله تعالى تارك الظالمين، وما يفعلونه، غير مُنْزِل بهم ما يستحقون من عقاب وعذاب، جزاء وفاقاً لما يفعلون، وهنا في هذه الآية يبين سبحانه أنه مُنْزِل هذا العقاب بالظالمين؛ جزاء لظلمهم، ولأنه قد وعد رسله به، وأن الله تعالى لا يخلف رسله ما وعدهم به.

الوقفة الثالثة: الخطاب في الآية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما قاله تعالى ذكره لنبيه؛ تثبيتاً وتشديداً لعزيمته، وتعريفاً أنه مُنْزِل من سخطه بمن كذبه، وجحد نبوته، ورد عليه ما أتاه به من عند الله، مثال ما أنزل بمن سلكوا سبيلهم من الأمم الذين كانوا قبلهم. فالغرض من الآية -كما ذكر المفسرون- تثبيتُه عليه الصلاة والسلام على ما كان عليه من الثقة بالله تعالى، والتيقّن بإنجاز وعدِه المذكور المقرونِ بالأمر بإنذارهم يوم إتيان العذاب المتضمِّن لذكر تعذيب الأمم السابقة؛ بسبب كفرهم وعصيانهم رسلَهم بعد ما وعدهم بذلك، فكأنه قيل: وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة، وأخبرناك بما يلقَوْنه من الشدائد، وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا، وبما أجبناهم به وقرَعناهم بعدم تأملهم في أحوال من سبَقهم من الأمم الذين أهلكناهم بظلمهم بعد ما وعدنا رسلَهم بإهلاكهم، فدُمْ على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافنا رسلنا وعدنا الذي وعدناهم به.

الوقفة الرابعة: ذهب عدد من المفسرين -منهم الرازي وابن كثير- إلى أن هذه الآية هي بمعنى قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (غافر:51)، وقوله سبحانه: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} (المجادلة:21)، فهاتان الآيتان والآية التي معنا تفيد أن الله سبحانه ناصر رسله لا محال، والظاهر أنه نصر في الدنيا، فالمراد إذن تقرير النصر لرسل الله في الدنيا، وغلبتهم على أعدائهم الذين ناصبوهم العداء. وذهب أبو السعود إلى أن الآية التي معنا تفيد أنه سبحانه منزل عذابه وعقابه بالظالمين، وخاصة العذاب الأخروي؛ بدليل قوله في الآية التي سبقت الآية التي معنا، وهي قوله تعالى: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}، بينما الوعد في الآيتين الأُخريين بالنصر لرسل الله، ولا اختصاص له بالتعذيب، ولا سيما الأخروي.

وحاصل الخلاف أن أكثر المفسرين يرون أن الوعد في الآية إنما هو وعد بالنصر لرسل الله في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، في حين يرى أبو السعود أن الوعد في الآية إنما هو وعد بالعذاب للمعرضين عما جاء به رسل الله. وليس ثمة كبير خلاف بين الرأيين؛ إذ إن مراد القائلين بأن الوعد في الآية إنما هو وعد بنصر الله لرسله، ونصر الرسل يستدعي بالضرورة الغلبة على من عادهم وهذا لا يكون إلا بإنزال العقاب بهم، وهو عقاب في الدنيا قبل عقاب الآخرة.

الوقفة الخامسة: في هذه الآية الكريمة دليل على أن يوم القيامة كائن لا محال، وأن الله سبحانه يحاسب كلاً بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ووجه دلالة ذلك، أنه تعالى لو لم يقم القيامة، ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين، لزم إما كونه غافلاً، وإما كونه مخلفاً في الوعد، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال، كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلاً.

الوقفة السادسة: ذهب ابن عاشور إلى أن قوله سبحانه في الآية: {رسله} جمع مراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جمع مستعمل في الواحد مجازاً. وأن الآية تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله منجز له ما وعده من نصره على الكافرين به. فأما وعده للرسل السابقين، فذلك أمر قد تحقق، فلا يناسب أن يكون مراداً من ظاهر جمع {رسله}.

الوقفة السابعة: في الآية تقديم وتأخير؛ إذ تقدير الكلام: ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده، فقدم المفعول الثاني {وعده} على المفعول الأول {رسله}، قال المفسرون في تعليل هذا: ليُعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً، مصداق قوله سبحانه: {إن الله لا يخلف الميعاد} (آل عمران:9)، ثم قال: {رسله}؛ ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه رسله، الذين هم خيرته وصفوته؟

الوقفة الثامنة: يفيد ختام الآية الكريمة {إن الله عزيز ذو انتقام} أنه سبحانه ذو عزة، لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا يغالب، و{ذو انتقام} ممن كفر برسله وكذبهم، وجحد نبوتهم، وأشرك به، واتخذ معه إلهاً غيره. فهو سبحانه لا يدع الظالم يفلت، ولا يدع الماكر ينجو.

الوقفة التاسعة: يُفهم من الآية التي معنا -وغيرها من الآيات التي في معناها- أنه سبحانه ينصر عباده الصالحين السائرين على درب المرسلين، المقيمين لشريعته، والمتمسكين بحبله المتين، والذابين عن دينه القويم، والواقفين في وجه الظالمين الصادين عن ذكر الله، كما قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} (النور:55).

الوقفة العاشرة: الأمر المهم في الآية التي معنا أنه سبحانه لا يترك الظالمين من غير حساب، فإن من أسمائه تعالى العادل، ومن صفاته سبحانه العدل، فكيف يترك عز وجل الظالمين بغير عقاب، والآية وإن كانت ساكتة عن موعد هذا العذاب أهو عذاب في الدنيا أو هو عذاب في الأخرى، فإن قراءة تاريخ الرسل السابقين، وتاريخ الدعاة المصلحين يدل على أن الله سبحانه ينزل عذابه بهؤلاء الظالمين في الدار الدنيا قبل الدار الأخرى، مصداق ذلك أخبار الجبابرة والطغاة على مر التاريخ، أمثال فرعون وهامان ومن شابههما من الطغاة الظالمين، ومن المتجبرين المتكبرين.